أرماند فيغنباوم (1922-2014): مهندس الفكر الاستراتيجي للجودة
إذا كنا نتحدث اليوم عن "نظام إدارة الجودة" ككيان متكامل يربط الإدارة بالإنتاج وبالعميل، فإن الفضل الأكبر في ذلك يعود إلى أرماند فيغنباوم (Armand V. Feigenbaum). هذا المفكر الذي لم يكتفِ بتطوير أدوات فنية، بل أحدث ثورة في مفهوم "الرقابة"، محولاً إياها من مجرد تفتيش في نهاية خط الإنتاج إلى فلسفة إدارية شاملة تتبناها المؤسسة ككل.
البداية من MIT: ولادة مفهوم TQC
في وقت كان فيه العالم يركز على الإحصاء والهندسة كأدوات وحيدة للجودة، قدم فيغنباوم أطروحته للدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ليضع حجر الأساس لمفهوم الرقابة على الجودة الشاملة (Total Quality Control).
كان يرى أن الجودة "ليست وظيفة قسم واحد"، بل هي محصلة لتفاعل جميع الأقسام؛ من التسويق الذي يفهم احتياجات العميل، إلى التصميم الذي يحولها لمواصفات، وصولاً إلى خدمات ما بعد البيع. كتابه الشهير الذي حمل نفس الاسم، تحول لاحقاً إلى "الدستور المهني" الذي اعتمدت عليه كبرى الشركات العالمية مثل جنرال إلكتريك (GE).
الأعمدة الثلاثة لفلسفة فيغنباوم
- الجودة يحددها العميل: العميل هو القاضي النهائي، الجودة ليست ما يراه المهندس إنجازاً تقنياً، بل هي ما يلبي توقعات المستخدم الفعلي (وهنا يلتقي مع فكر جوزيف جوران).
- الجودة مسؤولية فردية وجماعية: تبدأ الجودة من عامل التجميع وتنتهي عند المدير التنفيذي، ولا يمكن تحقيق التميز إذا ظل قسم الجودة يعمل في "جزيرة منعزلة".
- الوقاية في مرحلة التصميم: الخطأ الذي يتم تداركه في مرحلة الرسم الهندسي يوفر مئات الساعات من إعادة العمل (Rework) في المصنع.
الابتكار الأهم: تصنيف تكاليف الجودة (COQ)
قد يكون أهم إسهام عملي لفيغنباوم هو تقديمه لنموذج تكاليف الجودة، والذي بفضله استطاع مديرو المؤسسات التحدث بلغة "المال" لإقناع الإدارات العليا بالاستثمار في الجودة. قسّم فيغنباوم هذه التكاليف إلى أربعة فئات أساسية:
- تكاليف الوقاية (Prevention): وهي الاستثمار في التدريب والتخطيط لمنع وقوع الخطأ.
- تكاليف التقييم (Appraisal): تشمل الفحص والاختبار لضمان المطابقة.
- تكاليف الفشل الداخلي: الخسائر الناتجة عن اكتشاف العيوب قبل وصول المنتج للعميل.
- تكاليف الفشل الخارجي: وهي الأخطر، وتشمل الضمانات، شكاوى العملاء، وفقدان السمعة.
مفهوم "المصنع الخفي" (The Hidden Factory)
أدخل فيغنباوم مصطلحاً عبقرياً هو "المصنع الخفي"، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من طاقة أي مؤسسة تضيع في إعادة إصلاح الأخطاء، مما يعني وجود مصنع كامل داخل المؤسسة لا ينتج شيئاً سوى "تصحيح العيوب". تحرير هذه الطاقة هو السبيل الحقيقي لتحسين الأداء المؤسسي.
أثر فيغنباوم في عصر الـ ISO والتميز
عندما نتصفح متطلبات مواصفة ISO 9001، نجد بصمات فيغنباوم واضحة في "نهج العمليات" و"التركيز على العميل". لقد كان أول من نادى بدمج الجودة في هيكل التنظيم الإداري، مما مهد الطريق لظهور إدارة الجودة الشاملة (TQM) التي نعرفها اليوم.
خلاصة القول
لم يكن أرماند فيغنباوم مجرد منظر، بل كان استراتيجياً عرف كيف يربط الجودة بالربحية والنمو. رسالته لنا في 2026 واضحة: إذا أردت مؤسسة قوية، اجعل الجودة لغة الجميع، واستثمر في الوقاية لتلغي "مصنعك الخفي".
💬 هل مؤسستك تمتلك "مصنعاً خفياً"؟
أشار فيغنباوم إلى أن إهدار الموارد في إصلاح الأخطاء يقتل التنافسية. برأيك، ما هو العائق الأكبر الذي يمنع المؤسسات من الانتقال من ثقافة "التصحيح" إلى ثقافة "المنع والوقاية"؟
شاركنا تجربتك في التعليقات أسفل المقال، فنحن في TQM-MASTERY نثمن تفاعلك.