نحن نعيش في عصر البيانات، حيث أصبحت "المعلومة" هي المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي. ولكن، ما فائدة المعلومة إذا كانت الأنظمة المختلفة لا تفهم بعضها البعض؟ هنا يأتي دور المعايير الدولية لضبط هذا الإيقاع.
في مدونتنا المتخصصة في إدارة الجودة الشاملة (TQM) وتحسين الأداء، سنتحدث اليوم عن ثورة صامتة تحدث في عالم المال والمصارف، وهي معيار ISO 20022. هذا المعيار ليس مجرد "رقم" جديد يضاف إلى قائمة الأيزو، بل هو لغة عالمية موحدة تهدف إلى إعادة صياغة كيفية انتقال الأموال والبيانات بين الدول والمؤسسات.
ما هو معيار ISO 20022؟ ببساطة وبدون تعقيد
تخيل أنك تحاول التحدث مع شخص يستخدم لهجة مختلفة تماماً، قد تفهم المعنى العام لكن التفاصيل ستضيع في الطريق. هذا هو حال الأنظمة المالية القديمة؛ فكل نظام له "لغته" الخاصة في وصف التحويلات المالية.
معيار ISO 20022 هو منهجية دولية ومنصة لتبادل الرسائل الإلكترونية بين المؤسسات المالية. هو لا يحدد فقط "كيف" نرسل الرسالة، بل يحدد "ماذا" تعني كل قطعة بيانات داخل هذه الرسالة. يعتمد هذا المعيار على لغة (XML)، وهي لغة مرنة تسمح بحمل كميات ضخمة من البيانات الدقيقة مقارنة بالأنظمة التقليدية السابقة (مثل رسائل SWIFT MT القديمة).
لماذا يمثل هذا المعيار قفزة في جودة الأداء المؤسسي؟
من منظور إدارة الجودة الشاملة، نحن نسعى دائماً إلى تقليل الأخطاء وزيادة الكفاءة. إليك كيف يحقق ISO 20022 هذه الأهداف:
1. بيانات غنية وشفافة (Data Richness)
في الأنظمة القديمة، كانت خانات "بيانات المرسل" أو "سبب التحويل" محدودة جداً بكلمات قصيرة. أما مع ISO 20022، يمكن للمؤسسة إرفاق تفاصيل دقيقة (مثل أرقام الفواتير، تفاصيل الضرائب، والأسماء الكاملة بالصيغ القانونية). هذا يقلل من الحاجة إلى التدخل البشري لتفسير البيانات، مما يرفع من دقة العمليات.
2. التوافق والربط العالمي (Interoperability)
أحد أهم ركائز تحسين الأداء هو سهولة الربط بين الأنظمة المختلفة. هذا المعيار يوفر "قاموساً" موحداً للمصطلحات المالية. سواء كنت بنكاً في الجزائر، أو شركة تكنولوجيا مالية في طوكيو، فإن النظامين سيفهمان نفس حقل البيانات بنفس الطريقة تماماً.
3. تقليل المخاطر والامتثال
بالنسبة لمسؤولي الجودة والامتثال، يوفر هذا المعيار رؤية أوضح لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. الشفافية العالية في البيانات تعني اكتشافاً أسرع للمعاملات المشبوهة، مما يحمي المؤسسة من المخاطر القانونية والسمعة.
القيمة المضافة: كيف ينعكس ذلك على "العميل"؟
في فلسفة TQM، العميل هو المركز. عندما تتبنى المؤسسات المالية هذا المعيار، فإن المستفيد النهائي يحصل على:
- سرعة أكبر: تنفيذ التحويلات المالية في وقت قياسي نتيجة الأتمتة الكاملة (STP - Straight Through Processing).
- أخطاء أقل: تنخفض احتمالية رفض المعاملات أو تأخيرها بسبب نقص البيانات أو سوء فهمها.
- خدمات مبتكرة: البيانات الغنية تتيح للبنوك تطوير منتجات مالية مخصصة تلبي احتياجات العميل بدقة بناءً على أنماط إنفاقه الموثقة بوضوح.
التحديات والتحسين المستمر
الانتقال إلى ISO 20022 ليس مجرد "تحديث تقني"، بل هو مشروع تحول مؤسسي ضخم. يتطلب الأمر تحديث البنية التحتية البرمجية، وتدريب الكوادر البشرية على فهم الهيكلية الجديدة للبيانات. وهنا تبرز أهمية منهجية كايزن (Kaizen) أو التحسين المستمر؛ فالمؤسسات التي تنجح في هذا التحول هي التي تتعامل معه كفرصة لتنظيف بياناتها وتطوير مسارات عملها، لا كعبء تقني مفروض عليها.
كلمة ختامية: الرؤية الشاملة
إن معيار ISO 20022 هو تجسيد حقيقي لمبادئ الجودة والنمذجة الموحدة. فهو لا ينظم "المال" بقدر ما ينظم "المعرفة" المتعلقة بهذا المال. بالنسبة لك كمختص في إدارة الجودة أو كباحث في تحسين الأداء، يجب النظر إلى هذا المعيار كأداة استراتيجية لتقليل الهدر (Muda) في العمليات الإدارية والمالية، وضمان تدفق سلس للمعلومات يخدم أهداف المؤسسة بعيدة المدى.
في النهاية، الجودة ليست فقط في المنتج النهائي، بل في دقة وسلامة القنوات التي تنقل هذا المنتج إلى العالم، وISO 20022 هو القناة الأكثر كفاءة في عالمنا المعاصر.
إن التحول نحو ISO 20022 ليس مجرد خيار تقني، بل هو استثمار في دقة البيانات وكفاءة الأداء. فهل تود أن نقوم بإعداد دليل إرشادي مبسط حول خطوات تطبيق معايير الأيزو التقنية في مؤسستك؟ شاركنا رأيك في التعليقات.
0تعليقات